ابرار الناصر .
في هذه الحياة نمر بتجارب ودروس كثيرة ، منها المرّ ومنها الحلو .
مرة نعلو ونحلق ، ومرة ننهار ونسقط ، مرة نكون في ظلام ومرة نجد أنفسنا في نور .
هكذا هي الحياة ، وجهان لعملة واحدة ؛ مثلما هناك شمس هناك قمر ، ليل ونهار ، مطر وغبار .
ولكل منها فوائد وأضرار ، كذلك هي تجارب الحياة ، فيها الإيجابيات والسلبيات ، سواء كنا في فرح أو حزن .
فمن خلال الإيجابيات نعلو ونواصل ونشارك الآخرين ونستمتع ، ومن خلال السلبيات ندخل في عزلة وخلوة وانغلاق ، ونريد من يفهمنا دون حكم أو ضغط ، بل بعين الرحمة والعطف واللين والاحتواء .
وأحيانًا نعود أطفالًا نريد الاحتضان بدفء وحنان .
هكذا الإنسان ، مهما ارتفع وذهب وأتى ، لابد من قريب أنيس يؤنسه في الحياة .
وإن أراد ذلك فعلًا ، فلابد أن يبدأ بأول مهمة ، وهي الأنس مع نفسه .
سوف تقول لي : كيف ؟
أقول لك : عندما تتقبل نفسك ، تحتويها ، تتعاطف معها ، ترفق بها ، تنهض بها ، تثبتها وتتماسك معها ، سوف تصبح قريبًا من نفسك ، وتعرف من أنت فعلًا ، حقيقةً وجزمًا ، دون إنكار بل اعتراف .
ومن ثم رويدًا رويدًا تعود إلى الحياة بنظرة ثاقبة ، وتتذكر المواقف والأحداث والأقوال ، هذا وذاك ، ولماذا وكيف ؟
كل هذه التساؤلات تجعل الإنسان يضع النقاط على الحروف ، ويتمعن أكثر بالأشخاص ؛ من يستحق القرب ومن يستحق الحد .
وليس ذلك أنانية ، بل حق من حقوق الفرد أن يكون مع من يأنس به ، مثل الطفل في أحضان أمه .
فالإنسان ليس عقلًا فقط ، بل شعور أيضًا .
ومن يحترم شعوره ويفككه من الخيوط المتشابكة يصل إلى معانٍ كثيرة ، ومنها : التعرف على نفسه ، وأن يكون أقرب إلى الله تعالى ، ويفهم معنى :
﴿ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد ﴾ .
بعد ذلك سوف يعرف معنى الكرامة ، والاستحقاق ، والحدود ، والعفو .
لذلك الحياة زاد ، بالتجارب والناس وحتى الوحدة .
وإن عرفت نفسك أقول لك : سوف يأتي الأنيس الونيس ، وتظهر لك الوجوه الحقيقية ، ويُبعد الله عنك الزائفين .
لأن من عرف نفسه لم يعد يركض خلف كل أحد ، ولم يعد يقبل بكل شيء ، بل أصبح يرى ببصيرته لا بعينيه فقط .
وحينها سوف تدرك أن بعض الأشخاص كانوا درسًا ، وبعضهم كانوا رحمة ، وبعضهم مجرد عبور ليعلموك معنى نفسك وقيمتك .
فتطمئن روحك ، ويهدأ قلبك ، وتعرف أن كل ما مررت به لم يكن عبثًا ، بل كان طريقًا يعيدك إليك .
فكلما اقترب الإنسان من نفسه بصدق ، اقترب من الله أكثر ، ومن الحياة بوعي أكبر .
وهنا فقط يعرف معنى الأنس الحقيقي ، لا مع الناس فقط ، بل مع نفسه أولًا ثم مع الله ثم مع من يشبه روحه .
وتذكر :
« رحم الله امرأً عرف قدر نفسه » .
فهل عرفت من أنت ؟
أم مازلت مع مجريات الحياة ، تارةً شمالًا وتارةً جنوبًا ، لا تعرف ما خطاك ولا أثرك في هذه الحياة ؟
فإن عرفت نفسك حق المعرفة ، سوف تدرك أن أعظم رحلة لم تكن إلى الناس ولا إلى الأماكن ، بل كانت الرحلة إليك أنت .
0 التعليقات :
إرسال تعليق