النضج ليس عمرًا





بعد عبورك محطات الحياة، واستخلاصك للعبرة من كل تجربة، ستدرك أن كثيرًا مما كنت تمنحه أهمية... أصبح عابرًا.

وأن ما كان يومًا عاديًا... لم يعد يستحق أن يكون ضمن أولوياتك.

وكل ما خرج من دائرة أولوياتك، تلاشى كسرابٍ انكشف مع أول شعاع وعي.

ومع كل سراب يسقط... يولد في داخلك إدراك جديد.

فالتغيّر الحقيقي ليس في مرور السنوات، بل في جودة اختياراتك، حين تقودك البصيرة قبل البصر، والحكمة قبل الاندفاع. إنه ليس هروبًا من الحياة، ولا انشغالًا عنها، بل ارتقاء في الوعي.

وستدرك أيضًا أن ليست كل علاقة تستحق منك محاولة أخرى، أو لفت انتباه، أو استنزافًا للمشاعر...

فبعض العلاقات أجمل ما يُقال لها:
في أمان الله.

ومع مرور الوقت، ستعرف من كان سندًا لك، ومن كان عبئًا عليك، ومن كان مجرد عابرٍ في رحلتك.

فالمواقف لا تُجامل، بل تُعرّي الحقائق، وتُظهر معادن البشر كما هي.

ومن كانت المصلحة لغته، فلا تنتظر منه صدقًا لا يعرفه.

وتذكّر دائمًا...

الطريق الذي لا يصون كرامة ممشاك... ودّعه بسلام، وقل له: الله معاك.

ليس تكبرًا، ولا غرورًا...

بل صونٌ لكرامتك، واحترامٌ لذاتك، وحمايةٌ لسلام روحك.

وكلما اتسع وعيك، ازدادت بصيرتك حدّة، حتى تصبح كعين النسر؛ تميّز الأصيل من الزائف، وتفرّق بين من يكثر الحديث، ومن يُثبت حضوره بالفعل، وتدرك من يقف خلف الجدران يردد ما لا يعيش.

المواقف وحدها قادرة على إعادة ترتيب كل شيء...

من الخارج إلى الداخل، ثم من الداخل إلى الخارج.

هكذا هي الحياة...

إن لم تتعلّم اليوم، فمتى ستتعلّم؟

ومتى ستجلس مع نفسك جلسة صدق، تُراجع فيها اختياراتك، قبل أن تُراجع أخطاء الآخرين؟

وطول البال خُلُق جميل...

لكن جماله الحقيقي أن يكون في التعلّم، والترميم، والتطبيق، والعمل، لا في استنزاف العمر داخل هوامش لا تضيف إلى قيمتك، ولا ترتقي بمقامك.

فهدوؤك، ونموّك الشخصي، واتزانك وسط هذا الضجيج... ليست صفات عابرة، بل ملامح نضجٍ حقيقي، ورصيدٌ يبني مستقبلك.

وفي النهاية...

ليس كل ما يغادرك خسارة، وليس كل ما يبقى مكسبًا.

فأحيانًا...

أعظم نعمة يمنحك الله إياها، أن ترى الحقيقة كما هي، فتُحسن الاختيار، وتمضي بقلبٍ مطمئن، دون أن تلتفت إلى ما لم يعد يشبهك.

بعد كل ما علّمتك الحياة... هل تغيّرت اختياراتك، أم ما زلت تعيد الدرس نفسه؟
لو كانت المواقف هي المعيار الوحيد... فمن سيبقى في حياتك؟
هل تتمسك بالحقيقة... أم بصورة صنعتها أنت في خيالك؟
ما الذي لا تزال تتشبث به... رغم أن الحياة أخبرتك مرارًا أنه ليس لك؟
من يستحق أن يبقى في قلبك... لو جعلت المواقف وحدها تتحدث؟
هل تملك شجاعة أن تختار نفسك... حتى لو غادر الجميع؟
شاركه

عن Mizoohanaa

عالم العلم والمعرفة
    تعليقات بلوجر
    تعليقات فيسبوك

0 التعليقات :

إرسال تعليق

disqus

disqus