بقلم د. ولاء عابد
هناك شعوب تمر عبر التاريخ مرارا وهناك شعب يصيغ التاريخ كيفما يشاء وعندما تفتش في دفتر العبقرية المصرية ستدرك أن هذا الشعب يتحرك بشفرة جينية خاصة جدا لا يمكن لظروف أو أزمات أن تكسرها شفرة تجعل من ملايين البشر سبيكة واحدة متماسكة تشتد صلابتها كلما زادت الضغوط.
في الأوقات العادية قد تتعالى الأصوات بنقاشات واختلافات في الرؤى لكن ما إن تلوح في الأفق لحظة مصيرية أو نداء وطن حتى تتلاشى كل الفوارق في ثوان معدودة ويتحول المصريون في الداخل والخارج إلى جدار بشري صلب لا يقبل التصدع أو القسمة.
وتتجلى هذه العبقرية الفطرية في قدرة هذا الشعب على تحويل المعاناة إلى وقود للصمود فبينما يراهن البعض على تراجع الإرادة تحت وطأة الأزمات الاقتصادية الطاحنة أو المنعطفات السياسية المعقدة التي تمر بها المنطقة يفاجئ الجميع بأنه هو السند الأول والضامن الحقيقي لاستقرار بلده.
ترى المغترب في أقاصي الأرض يضخ روحه ومدخراته لإنعاش شرايين وطنه وترى المواطن في الداخل يتقاسم التحدي برضا مذهل في ملحمة استثنائية من العطاء الفطري الذي لا يفسره سوى عشق أبدي لتراب هذه الأرض.
هذا المخزون الضخم من الصمود والدعم المتبادل الذي يتشكل خلف كواليس السياسة والاقتصاد هو ذاته الذي ينفجر اليوم ليقود الملحمة الأكبر والأبرز في كاس العالم حاليا.
إن المونديال في هذه اللحظة ليس مجرد مستطيل أخضر أو حدث رياضي عابر بل هو المختبر الحقيقي الذي اندمجت فيه كل الضغوط الحياتية لتتحول فجأة إلى طاقة فخر جارفة.
ومع هذه المشاركة التاريخية التي يسطر فيها الفراعنة إنجازات غير مسبوقة لأول مرة على مدار تاريخ مشاركاتهم السابقة نكتشف أن المشهد في المدرجات والشوارع هو الامتداد الشرعي لمعاركنا اليومية فالمواطن الذي واجه الغلاء بصبر وثبات في الداخل هو نفسه الذي يقف اليوم في الشوارع والمقاهي يصرخ بملء فيه "تحيا مصر" مع كل هدف والمغترب الذي تحمل عبء المسؤولية الوطنية في الخارج لدعم اقتصاد بلده هو ذاته الذي يزلزل مدرجات المونديال اليوم براية الوطن.
لقد التقت تلك الخيوط السياسية والاقتصادية والرياضية كلها لتعيد صياغة مفهوم الانتماء فالشغف الذي نراه في كأس العالم حاليا ليس انفصالا عن الواقع بل هو الوجه الآخر لصلابة هذا الشعب في مواجهة تحدياته.
تجد الجاليات المصرية القادمة من كل حدب وصوب تقف كتفا بكتف تهتف بحنجرة واحدة تطغى على صخب الملاعب وتلتف حول علم بلادها بجوارحها كافة لتثبت للعالم أن جيناتنا لا تتغير بتغير الميادين.
إن هذه الملحمة المونديالية تأتي لتعيد تذكير كل من يراقبنا بأن معدن هذا الشعب يزداد بريقا كلما زادت الرهانات وأنه سواء كانت المعركة عبورا لأزمة اقتصادية أو ثباتا في وجه عاصفة سياسية أو زئيرا يفرض هيبته في محفل عالمي يبقى الدم واحدا والنبض واحدا وتظل الرسالة المدوية للعالم أجمع نحن هنا.. يد واحدة وقلب واحد وخلف راية مصر دائما وأبدا.
0 التعليقات :
إرسال تعليق