بقلم د ولاء عابد
في عمق الكائن البشري رغبة أزلية في أن يكون مرئيا ليس فقط بملامحه وخلفيته بل بالأثر الحي الذي يتركه خلفه في أرواح الآخرين وفي جدار الواقع.
وهنا تحديدا تبدأ رحلة المرأة حين تتخذ قرارا شجاعا بتتجاوز المساحات الآمنة والضيقة المعتادة لتعبر إلى فضاء الحركة العامة والمسؤولية المجتمعية.
إن انخراط المرأة في الفضاء السياسي والعمل العام والمبادرات التنموية ليس مجرد خطوة عملية أو استجابة لشعارات التمكين البراقة بل هو في جوهره تحول نفسي وإنساني عميق إنه الانتقال من دور الشاهد الساكن على مجريات الحياة إلى دور الصانع والمشكل لها.
فعندما تخطو المرأة نحو المشهد العام فإنها لا تحمل معها خططا وملفات ومشاريع جافة فحسب بل تحمل معها رؤيتها الخاصة للوجع والأمل وتلك الحساسية الفريدة التي تجعلها ترصد الدقائق التفصيلية للواقع الاجتماعي وتصغي للتهميش والمخاوف النفسية التي قد تتخطى حسابات الأرقام الجافة والتشريعات الصارمة.
فعندما ترى الأجيال الجديدة امرأة تتصدر المشهد السياسي بكفاءة أو تقود مبادرة تلامس حياة الناس اليومية أو تبادر بجرأة لحل مشكلة مجتمعية معقدة يحدث زلزال هادئ وتكسر تلك الصورة النمطية القديمة التي طالما ربطت المبادرة والقوة بالذكورة وحصرت العطاء النسائي في أطر محددة وضيقة.
إن رؤية هذا النموذج القيادي يمنح الفتيات والشباب على حد سواء شعورا بالاتساع والحرية النفسية وتغرس في الوجدان فكرة أن التأثير والمواطنة ليسا احتكارا لأحد بل هما استحقاق لكل روح تملك الرؤية والوعي والشجاعة للعمل.
وما يدعو للتأمل مليا هو أن العمل العام والمبادرات التضامنية تشكل في حد ذاتها مساحة للاستشفاء الاجتماعي والترميم النفسي المتبادل.
فالمرأة التي تنزل إلى الشارع المباشر لتصمم مبادرة أو تدافع عن قضايا المجتمعات الهشة والضعيفة تجد في هذا العطاء مخرجا لتفريغ الطاقات وتوجيهها نحو البناء والتنمية بدلا من الانكفاء على الذات والشعور بالعجز.
وفي المقابل يجد المجتمع في حضورها الواعي صمام أمان يمتص التوترات والجروح الاجتماعية الناتجة عن أزمات الحياة المادية والتغيرات السريعة.
إن الإدارة السياسية والمجتمعية حين تطعم بالروح النسائية تضفي بعدا متوازنا على التعاطي مع الأزمات .. بعدا يجمع ببراعة بين الحزم المطلوب والرعاية الإنسانية وبين الهيكل التنظيمي وروح الحياة التي تدب فيه.
علاوة على ذلك فإن المبادرات التنموية التي تقودها النساء لا تقاس بأرقام ومخرجات السجلات فقط بل هي بمثابة طقوس حقيقية لإعادة ترميم الثقة المفقودة في القدرة على التغيير الإيجابي.
إن الشغف الذي تديره المرأة في هذه المبادرات يتحول إلى عدوى إيجابية تنتقل من فرد إلى آخر لتعيد بناء النسيج الاجتماعي على أسس من التضامن والشعور بالمسؤولية المشتركة.
كما أن التعمق في دور المرأة السياسي والمجتمعي يكشف لنا أن التمكين الحقيقي ليس مكسبا للمرأة وحدها بل هو تعاف شامل للمجتمع بأكمله.
فعندما يتاح للمرأة أن تسهم بصوتها وفكرها في صياغة القوانين وإدارة المبادرات يستعيد المجتمع توازنه الفكري والنفسي المفقود وتصبح قراراته أكثر ملاءمة للطبيعة البشرية وأكثر قدرة على الصمود أمام التحديات.
وهكذا تتحول المشاركة العامة للمرأة من مجرد حراك سياسي أو تنموي إلى خريطة تعافٍ جمعي تثبت من خلالها أن القيادة ليست فرضا للسلطة أو استعراضا للمكانة بل هي قدرة استثنائية على احتواء الواقع بكل تعقيداته وفهم هواجسه النفسية والاجتماعية وتحويل كل ذلك إلى قوة دفع حضارية نحو غد أكثر توازنا وعدالة وإنسانية.
0 التعليقات :
إرسال تعليق